حارس المزرعة - منتديات منطقة الرياض
الرياض ا:ا المنتدى ا:ا الأخبار ا:ا الرياضة ا:ا حواء ا:ا منطقة الرياض ا:ا معرض الصور ا:ا مركز التحميل ا:ا طلب إعلان
الرياض - منتديات منطقة الرياض قلعة الشرق للأجنحة الفندقية

حارس المزرعة


عودة   منتديات منطقة الرياض > المجالس الادبية > أحاسيس ماطرة

أحاسيس ماطرة

للخواطر والقصة القصيرة

منتديات بحر الوله
اكادميه الطبخ مساحة إعلانية جامعة الامام مسابقه اللهجات
 
موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
الصورة الرمزية لـ فارس الشيخ
رقم العضوية : 16921
مشاركات: 148
عدد النقاط : 11
عضو مشارك

فارس الشيخ في طور التقدم
حارس المزرعة

حارس المزرعة هذه القصة لاخي وصديقي العزيز نبيل جميل واود ان تقرؤها



تململ عبدالله الحارس في وقفته جوار سرير الحديد ، وقد ميّز ضوء النجوم الشاحب ملامح وجهه ، والتمعت عيناه . إنه يصغي الآن لحسّ مريب ، حفيف رمليّ ونفس حيواني ، مثل كلب / الكلب الأسود توارى منذ حين / تفحّصت عيناه بنظرات ثاقبة ما يحيط به ، وكأنه يستجمع قواه ليستوعب الخطر ، فيما التفّتْ أصابعه على عصا ربّت بها على ساقه .

بعد دورة حراسته الأخيرة بين ألواح غرسات الطماطم وكثبان الرمل ، أصبحت البئر الآن بعيدة عن مطاله ، بئر مظلمة ، غائرة ، مليئة بالصدى و الهمسات ، تومض في رأسهِ وجوه رفاقه الجنود ، ويلفّها الفراغ ، فراغ استمر سنوات و ما زال يحسّه بعد شهر من التسريح .

أخبره سائق البيكب عندما باشر العمل :

- تعوّد أن لا تهتم بأحاسيسك .

ومنذ تلك الساعة التزم بتنفيذ الأوامر في رضىً يخالطهُ شيء من التذمر . طيلة شهر بحث عن عمل في المدينة ، وكان يفكر أنهُ لو خيّر بين البقاء متردداً على المقاهي أو العمل في مكان قصيّ لما تردد في إختيار العمل .

منذ يومين جلس في الحـوض المكشوف لسيارة البيكب ، محنيّ الظهر بسبب إندفاع السيارة القلق و لفح الريح الحارق ، وبالرغم من وضعهِ فإنّ شعوراً بالنشوة قد تفجّر من داخلهِ ، رفع رأسه مستمتعاً بآخر صورة انطبعت في ذهنه لمجموعة من عمّال الميناء وقد اندفعوا بدراجاتهم الهوائية الصفراء متسلّقين أمواج السراب ..

عندما تنكبت السيارة الطريق الخارجي إزدادت سرعتها واشتدّ لفح الريح على وجهه ، فلم يعد يسمع سوى صفيرها ، احتكاك عجلاتها بالإسفلت ، أزيز المحرك ، خطف السيارات على جانبي الطريق . كان شعوراً بالإمتعاض قد تسرّب إلى داخلهِ وهو يرى السائق محميّاً من سياط الريح وراء الزجاج يميل بالحديث مع إمرأتين إلى جانبه وتلتمع أسنانه الصفراء ضحكاً . بعد برهة تحوّل امتعاضه إلى غفوة قصيرة ، فزّ منها على قرقعة عجلات السيارة ، وهي تمرّ أسفل جسر صحراوي ، فرفع رأسهُ متلفتاً حوله ، ماسحاً ذرات الغبار عن حاجبيه وشفتيه ، كل ما رآه كان عبارة عن أسيجة رمل تحمي المزروعـات ، متاهـة من ممرات رملية غريبة ، وكان يستطيع أن يلمح في البعيد بعض النسوة بثيابهن الملوّنة ينحنين وسط الخضرة ، وفي البعيد تبدو قطعان خراف وماعز وحولها يمرّ بعض الرجال .

وبغتة توقفت السيارة ، كان يشعر بخدر يشلّ ساقيه ، ابتسم لنفسهِ وهو يقول :

- لابدّ أن الطعام وفير هنا ، الرز واللحم … والراحة النهارية …

قال السائق وهو يضيف الماء إلى برّاد السيارة :

- عليّ أن أعود قبل حلول الظلام .

ولم يرد عبدالله ، بل ظـلّ يرقب نزول خيط الماء من إبريق بلاستك أمالهُ السائق بكلتا يديه وهو يتحدث عن متطلبات العمل . وفجأة نطق عبدالله :

وهاتان الحجرتان لمن ؟

فقال السائق :

- الصغيرة للراحة . أما الأخـرى الكبيرة فتستخدم كمخزن ، فيها : آلة توليد الكهرباء ، برميل الوقود ، أكياس حفظ نايلون ، مضخة الماء …

تأمّل عبدالله شجرة الأثل الفيحـاء التي توسّطت المكان ، تمدد عند جذعها كلب أسود جوار سرير الحديد .

قال السائق :

ربما يأتـي صـاحب المزرعة مع رفاقـه ليلاً ، اثنـان أو ثلاثة ، بعض الليالي ، لا عليك ، / ورمقهُ بنظرة واختلج أنفه / عليك بارتداء الدشداشة التي في الداخل بدل البنطلون . سوف يميّزون رائحتك .. المهم لا تدوّخ رأسك ، أمور تحدث والمزرعة واسعة جداً ..

آه ، أرى انك متعب وبحاجة إلى النوم .

لاحق نباح الكلاب غبار السيارة عندما ابتعدت .

* * *

استلقى عبدالله على السرير بعد جولـتهِ الثالثة وثبّت عينيه في السماء المتوهجة ذات البريق ، أحسّ بمرور الوقت عبر جسـدهِ أشبه برعشة الحـمّى ، الشهور الستّة الأخيرة من خدمته العسكرية قضّاها في رابية على تلال ( مندلي ) ، النسيم هناك ألطف ليلاً ، لكن هذيان البعوض قد يدفع المرء إلى الجنون ، لذا كان عليه أن يتحرك طيلة الوقت ، فإذا تقدّم بضع خطوات إلى حافة الرابية ، فإنّه يستطيع أن يرى الممرات التي تعبر الحدود / آثار مواضع قديمة / دور خربة / حقول أسلاك شائكة …في الصباح فزّ مذعوراً على صوت سـيارة ،وعندما فتح عينيه واستقر دوار الأشياء من حولهِ ، رأى أمامهُ ، على مسافة ، رجلاً بديناً قادماً بدشداشة بيضاء تحفّ به بعض النسوة ، صاح الرجل من بعيد :

- هه ، أنت .. هلا ناولتني إبريق الماء .

تضاحكت النسـوة و غرّدت أصواتهن عندما مررن به ودخلن الحجرة الصغيرة ، لقد رمقنه بنظرات مستغربة قليلاً . هرول عبدالله وهو يحمل إبريق الماء إلى حيث ينتظر الرجل ، كان هذا يسحب طرف دشداشته كاشفاً عن فخذيه وهو يقول :

- هم ..أنت الحارس الجديد ؟ هم ! عفيه .

تفرقت النسوة وحمل عبدالله فراشـهُ إلى داخل الحجرة الصغيرة ، ونضّدهُ على تخت تراكمت فوقه أفرشة ولحف وسجاد ، انتشرت حولها رائحة عطنة ، لمح عبدالله امرأة فتيّة متقرفصة جوار كوّة مُجصـصة الحواف تشـعُّ الضوء ، مطـلّة على الجانب الآخر من المزرعة ، رأى أن عينيها واسعتان ومكحولتان وإنها كانت ترمقهُ ، فسألها عمّا إذا كان هذا هو صاحب المزرعة ، أمالت رأسها وقالت بصوت خدر :

- لا .. لا ، واحد من العمام .

أعدّ الشاي وخفق أربع بيضات ودخن سيجارة ، دخل الرجل مهمهماً :

- يجب أن تبكّر في النهوض .

وإتكأ على وسادة شاخراً بارتياح ، نظر إليه وهو يمدّ يده متحسساً دشداشته :

- ابن ولايه .. ها ؟ هذي الخرقة بالية ، إيه .. ابن ولايه .

تريّث عبدالله مقتعـداً سرير الحديد ولمست قدمهُ خاصرة الكلب الذي حرّك ذنبه ، كان يشعر بهما في الداخل ، انتفخت عروقه ودخن سيجارة ، ثم نهض وتحرك مبتعدا ، كان بوسعهِ أن يرقب جامعات الطماطم وأن يدنو منهن ، لكنه شعر بجسدهِ يتشنج وخطواته تبتعد ..

آوى إلى فراشه مبكّراً في تلك الليلة ، أحسّ أن غبار النهار وشمسه ُما زالا يصلاّن في داخله ، وشعر بجسدهِ يخمد تحت ظلمة السماء ..

في ساعة من الليل استيقظ فزعاً وتناول عصاه ، لقد تخيّل إنّه سمع حسّاً ، حركة مريبة ، وإنه لمـح قدحة شـرر تلتمع في الظلمة ، خيّل اليه أنّه رأى بعض الكلاب ، لكنها لم تكن كلاباً فأصوات نباح هذه كانت بعيدة ، ذئاب ! الحركة الظلّية الخفيفة لثلاثة ذئاب أحسّها تعبر جسده ولهاثها يلفح وجهه ، لا يستطيع أن يقول إنه رأى ثلاثة ذئاب ، لكنها مرّت من أمامهِ ورمقتهُ بنظرة جانبية ثم دخلت تلك الحجرة الصغيرة متشمّمة دعامتي الباب المتآكل .



كُتبت [ 03-09-2006 - 02:43 PM ]    فارس الشيخ غير متصل
موضوع مغلق

علامات

دالّة الموضوع
المزرعة, حارس



زوار هذا الموضوع الآن : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : نشيط
كود [IMG] : نشيط
كود هتمل : خامل
Trackbacks are خامل
Pingbacks are خامل
Refbacks are نشيط


التوقيت حسب جرينتش +3. الساعة الآن 03:48 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.7.4
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.1.0
Feeds:   XML   JS   RSS   RSS Feed