|
لماذا قال الله لرسوله (ليس لك من الأمر شيء)
أخي الكريم .. تخيل معي هذا الموقف .. عندما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتعرض لصنوف الأذى من الكفار .. ويتعرض من البعض منهم أشد صنوف الأذى حتى شجوه .. فصار في صلاة الفجر عندما يرفع من الركعة الأخيرة .. يرفع يديه وخلفه الصحابة ويقول .. اللهم العن فلاناً وفلاناً ويسميهم بأسمائهم .. وفي بعض الروايات ذكروا بأسمائهم وهم رعل وذكوان وآخر لايحضرني اسمه .. وداوم على ذلك شهراً يدعوا عليهم .. فأنزل الله لرسوله وأفضل خلقه (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) .. ولم يمض زمن حتى أسلم هؤلاء الذين كان يدعوا عليهم.
أخي الكريم .. عندما نتأمل هذه القصة .. نخرج منها بفوائد منها .. أن الله إذا أراد لك شيء فلن يقف دونك أياً كان .. والله لما أراد لهؤلاء الإسلام لم يقبل دعوة نبيه وأفضل خلقه على الإطلاق .. ورضي النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكم ربه وإرادته وقضائه وقدره.
وفي وقتنا الحاضر نجد أن هناك صنوف من الناس يعترضون على مواهب الله لعباده .. بالرغم أنهم لم يتعرضوا لأذية منهم .. ونسوا أو تناسوا أن هذه المواهب والأفضال ليست بيد فلان أو علان ليمكن عن طرقهم نزعها .. بل هي بيد مالك الملك .. ولهذا لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة بعد أن كان يتيماً وفقيراً .. استعظم قومه ذلك عليه .. ولهذا لما حجهم الله في قوله (أفلم يدبروا القول * أم جاءهم مالم يأت آباءهم الأولين * أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون * أم يقولون به جنة * بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون) .. عندما ناقش الله كبار وطغاة قريش .. إن كانوا لم يتدبروا القرآن ليعرفوا هل هو قول بشر أم لا؟ أم أن محمداً جاءهم بأسماء أنبياء لم يسمعوا بها من آبائهم؟ أم أنهم لايعرفون محمداً إذ قد أتى من قطر آخر ولم ينشأ بينهم ويشتهر أمره بالأمانة وسطهم؟ أم أن في محمد شيء من عوارض الجنون؟
بالطبع اضطرب كبار قريش من هذه المناقشة وقالوا كما جاء في آية أخرى .. (لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) .. أي أن المشكلة ليست في القرآن ولكن في محمد كيف يشرفه الله بالرسالة بعد أن كان يتيماً فقيراً هلاّ كانت الرسالة في أحد عظيمي مكة أو الطائف.
عند ذلك نعرف أن منبع الحسد والبغض والكراهية بين الأقران والمعارف إنما تنشأ عندما يهب الله أحد عباده مواهب جزيلة ويظهر أمره ويعلو قدره بعد أن كان فلاناً ابن فلان الشخص العادي .. ومن ثم هذا الشخص العادي في نظره يسحب من تحته البساط .. عندها تظهر غائلة القلوب .. وتظهر الصدور عن أمثال مراجل النيران .. والتاريخ يعيد نفسه .. هاهو عبدالله بن أبي بن سلول .. عزم أهل المدينة تتويجه ليكون ملكاً .. وكان هذا متزامناً مع هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فاتجه الناس إلى النبي وتركوا ابن سلول .. عندها ثارت أحقاده على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصار منافقاً ودخل بين المسلمين لعله يكيد لمحمد وأصحابه ويتحين الفرص لذلك .. وكان يؤمل بين الفينة والأخرى سقوط محمد وهزمته فأنزل الله آية تخاطبه وغيره من المنافقين (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده مايغيظ) .. قال ابن عباس مامضمونه .. من كان يظن أن الله لن ينصر محمداً فليمدد بحبل إلى سقف داره ثم لشنق نفسه ولن يؤثر ذلك على محمد بشيء بل الضرر على أنفسكم.. وهذه إشارة من الله لجميع المنافقين أن هذا ما في وسعكم لاغير.
من جانب آخر لم نجد نبياً واحداً اعترض على قضاء الله وقدره في تفضيل محمد عليهم .. فلم يعترض نوح وهو الذي لبث في قومه داعياً ألف سنة إلا خمسين عاماً على تفضيل محمد عليه وهو الذي لم يتجاوز عمره كله الـ63 عاماً واعطي درجة في الجنة وهي الوسيلة لايبلغها إلا عبد واحد وهو محمد .. كل الأنبياء والأتقياء قد عرفوا أن تفضيل بعض الناس على بعض في الدنيا والآخرة إنما هو بيد ملك الملوك.
فيا أخي الكريم .. لا تجعل بينك وبين أحد من إخوانك المسلمين حاجزاً وجداراً من الحقد والكراهية من أجل تفضيل الله له .. بل ليكن رضاك بقضاء الله وقدره طاعة لله وقربة .. انظر أخي الكريم إلى أبي بكر الذي قال عنه النبي- صلى الله عليه وسلم - (كنت أنا وأبوبكر في الجاهلية كفرسي رهان فسبقته بالنبوة فاتبعني ولو سبقني بالنبوة لاتبعته) .. فانظر أخي الكريم إلى أبي بكر الذي هو والرسول كفرسي رهان أي سباق لم يعترض على تفضيل محمد - صلى الله عليه وسلم - عليه بل رضي بقدر الله واتبعه .. فانظر البون الشاسع بين الصديق وابن سلول.
هذه الأسطر كتبتها من غير تهذيب ولا تنقيح بل من الحفظ مباشرة .. أردت أن تكون من القلب إلى القلب .. من قلب محب لحبيبه .. وذلك أن يرضى الإنسان بما قضى الله له ولقرينه أو صاحبه من وظيفة أومنصب أو جاه أو مال أو غيره من الأمور وأن يجعل ذلك قربة لله برضاه عن قضاء الله وقدره .. ويعلم أنه بعدم رضاه سيبوء بالإثم ولن يغير من الواقع شيء .. حتى أفضل الخلق لايستطيع ذلك .. قال تعالى: (وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم).
منقول
كُتبت [ 01-06-2008 - 04:56 PM ]
|
|
|
|