المرأة والشعر العربي - منتديات منطقة الرياض
الرئيسية  ::  الأخبار  ::  الرياضة  ::  حواء  ::  منطقة الرياض  ::  معرض الصور  ::  مركز تحميل الصور

منتديات منطقة الرياض

:: شبكه قبيله عتيبه ::


عودة   منتديات منطقة الرياض > الـمـجـالـس الادبـيـة > حدائق الأدب
الانتساب تعليمات س - ج قائمة الأعضاء المفكرة إشارة الأقسام مقروءة

حدائق الأدب

اختياركم من اجمل الفنون الأدبية
(للقصائد و الخواطر المنقولة)


إعلانات منتديات منطقة الرياض

المرأة والشعر العربي

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
الصورة الرمزية لـ الــــــوافـي
كــــــل الغــــــــلا
 
 
الــــــوافـي مبـدعالــــــوافـي مبـدعالــــــوافـي مبـدعالــــــوافـي مبـدعالــــــوافـي مبـدعالــــــوافـي مبـدعالــــــوافـي مبـدع
المرأة والشعر العربي

المرأة كائن سحري عجيب يشارك الرجل أفكاراً وعواطف وأحاسيس وقيم ، ثم لا يلبث أن يشاركه الحياة نفسها من داخله طورا ومن خارجه طوراً آخر ، ومما هو غير قابل للجدال تماما أنه في مرحلة التكون الأولى هو رهن تماما بتلك الوصاية الأنثوية عليه ، وهذه الأنثى التي تتنازل طوعا عن هذه الوصاية الأولى لتهبه استقلاله التام لاحقا لا تلبث أن تلهث خلف مطلب المناصفة في الدور والانتصاف لحقها منه لاحقا ً فأي عجب هو ذلك ؟

على أية حال ،فان المرأة نصف المجتمع السوي بكل أبعاد هذه المناصفة واستحقاقاتها ما لها وما عليها ومن ضمن ذلك قطعا مناصفة الشعور والمشاعر لأنها جزء من عقد الحياة المبرم معها ولا بد من الإقرار بان عددا من المجتمعات غير السوية ربما لازالت لا تلحظ هذا بل قد تنكره تماما وما ذلك إلا لأنها لا زالت غير سوية في بنائها ونشاطها ووجهتها .

إذن فالمرأة في المجتمعات السوية ، هذا الكائن المفاجأة ، واللغز في أحيان كثيرة ،الحامل بين جنبيه كل الجدليات المحتملة وغير المحتملة ، والذي يمكن أن يكون العدم ويمكن أن يكون الحياة والوجود ، القادر على أن يهب الحنان كقدرته على فرض القسوة ، الذي يرغب بالقرب والدفء ويرهب بالجفوة والزمهرير ، المستطيع أن يكون كل هذه الثنائيات معا طوع رغبته وقدرته أيضا ، لا بد وأن له موقعا مميزا في علاقته بالفنون جميعا كما بالثقافات ، وبالتأكيد بالخيال وفنونه وباب الخيال العريض هو الشعر . فما هو كائن منها في هذا المقام ؟

إن مقالة أو فكرة ما قد تعمد إلى المرأة لتمس حاجاتها ومعلقاتها لا بد وأن تكون مزروعة بالألغام محفوفة بالمخاطر محكومة بالتشابك ، ولعل هذا ما نرجوه عذرا لنا إن وقعنا في محظور من هذه جميعا ، ولأن موضوعا من هذا النوع أيضا متوقع له أيضا أن لا يكتمل بالإحاطة ، فلقد وجدنا أن افضل ما ننتهجه هو النظر إلى حالات ثلاث بعينها نتناول موقع المرأة فيها فقط من موقع تصنيف محدد ، ولذا فإننا بصدد اتجاه رؤية سلسة تلحظ المرأة في الشعر العربي كموضوع أولا ثم كعامل فاعل ثانيا وأخيرا كمتلق لهذا الفن وإبداعاته .

فماذا لدينا في هذه الرؤية الثلاثية ؟

المرأة الموضوع

هنا في هذا الجانب القديم قدم الشعر نفسه كفن ٍ، لا بد من التنبيه إلى قضية بعينها هي اختصار لعدد من العوامل قد تشكل مدخلا غنيا ومميزا إلى ما نحن بصدده الآن ، إنها قضية الخلقة ، ذلك التركيب الجمالي البيولوجي الظاهر ، والأثر التكويني الساحر الذي خرجت به المرأة إلى عالم الأحادية السابق عليها ، إن التحدي الأكبر الذي فرضه الوجود المفاجأة لهذا الكائن ، كان ولا زال يشكل عنصر المفاجأة في كل ما يصوغه من انعكاسات ،ولعل أبرز هذه الانعكاسات هو بعد الوهلة الأولى محاولة الاستكشاف التي قطعا باءت بفشل جزئي لا زال مستمرا إلى اليوم ، إن اللغز العميق لهذا الكائن بما يحمله معه من انغلاقية دائمة ودافئة في نفس الوقت هي إغراء مستمر للمحاولة يصل إلى حد التوتر الدائم ، كما أن معالم هذا اللغز بسطوته الخارجية الأنثوية والتي تفرض دائما منطق الانفعال الدائم على الآخر شكلت تحديا مستمرا له. وإذا كان جزء من هذا صائر إلى لا إرادة المرأة أحيانا ،فان جزءا آخر ذا بال هو بإرادتها الحقيقية التامة ، إن الترقب والحذر سمة من سمات هذه الإرادة وفعلا من أفعاله الدائمة التي تستجلب معها سلاح الإبهار الإضافي الذي تمتلكه ، وبالتالي شروط اللعبة الخفية التي تمارسها وتحسن أداءها دائما . إنها تهاجم من حيث يفترض الدفاع وهذا هو جوهر التحدي العنيف القائم مطلقا أمام مشروع حل طلاسم هذا اللغز الرائع .

إن هذا الإبهار الجمالي بحديه المادي والمعنوي سيكون بلا شك كافيا أمام الطرف الآخر ليرفع درجات التوتر كما أسلفنا وليضعه موضوعا قائما بذاته في الشعر العربي ، غنيا ومكثفا جدا ، ومن هنا دخلت قصيدة الحب بكل مقوماتها من أوسع الأبواب وفرضت لها مساحة لا باس بها في الموروث والحاضر الشعري العربي .

إن عددا من القصائد قد تناول المرأة ربما في غير موضع الحب والغزل ، ولكن مسببات ذلك وأغراضه المختلفة ليست بما يغري بأن يكون مستقلا بذاته ،ولا يملك أن ينهض ليصبح مدرسة بعينها مثلما هو الحال مع مدرسة قصيدة الحب والغزل ، ولذا فانه ليس حاضرا في أذهاننا أن نتلمس آثار ذلك هنا .

إذن فقصيدة الحب العتيدة نشأت بمقوماتها الفنية والجمالية في هذا الجو المشحون بالأسئلة ، وتعددت بتعدد عناصر التحفيز وتنوعت بتنوع أسباب المثيرات ، فجاءت شهية تحمل في حياتها وانتقالاتها وبنيتها هذه الألوان والمذاقات والروائح المختلفة المتنوعة ، إن قصيدة الحب التي افتتحها الجاهليون ركنا أساسيا من قصائدهم ، ثم طوقها الأندلسيون بالقرنفل قبل أن تصلنا وفي عينيها بريق الخلود وسحر الأبدية ظلت ذات القصيدة الجارفة المستجلبة معها لأقصى درجات الشحن العاطفي .

وهكذا فان قصيدة الجاهليين خضعت لمفهومهم العام عن المرأة ولتقديراتهم الجمالية الخاصة ولمدى تطور هذا الوعي العام عن هذا الكائن السحري ، ثم ما لبثت أن عكست أيضا الناحية القيمية للمرأة في ذلك الركن الزمني والمكاني من التاريخ الأدبي . ونلحظ في هذا الجانب أن العناصر الحسية الجمالية للمرأة كانت أكثر ما تكون حضورا في القصيدة الجاهلية ،ولعل امرئ القيس كان رائد هؤلاء جميعا استقام له أن يصبح طليعيا في هذا المنهج الحسي ينهض معه وصفه بإمام أهل الجماليات الحسية المادية في الشعر العربي حينما يصبح التحديد والتعريف لازما.

وامرؤ القيس هذا رسام وفنان مميز ، يعمد فيصف هذا الحد المادي الذي يقابله جزءا جزءا حتى يطال الجسد كله لوحة تامة ، يضعها أمام السامعين له وربما لا يتورع كثيرا عن الإسراف في ذلك ، والشواهد من شعره كثيرة ونكتفي هنا بما صح في معلقته نذكره شاهدا على ما ندعي عليه :


إذا التفتت نحوي تضوَّع ريُحها نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفل ِ

إذا قلتُ هاتي نوليّـني تمايلت عليَّ هضيمَ الكشحِ ريا المخلخل ِ

مهفهفة بيضاء غير مفاضة ٍ تر ائبها مصقولــــــة كالسجنجل ِ

تصد وتبدي عن أسيل ٍ وتتقي بناظرةٍ من وحش ِ وجرةَ مطفل ِ

وجيدٍ كجيد ِ الرئم ِليسَ بفاحشٍ إذا هي نضته ُ ولا بمعطَّـــــــل ِ

وفرعٍ يغشى المتن أسود فاحم ٍ أثيث ٍ كقنو النخلة ِ المتعثكــــل ِ




لقد نقلنا أبياتا لا تحتمل إلا أن نصفها بالتصويرية المزدوجة ، فهو لا يصور جسدا فقط في هذه الأبيات إنما هو يتعدى ذلك إلى تصوير حركة أيضا ، فهو ليس بتصوير ساكن بل إنما هو تصوير متحرك يصف حركة هذا الجسد وانفعالاته وأدائه ، بل أيضا يضع ذلك في إطار قصصي يمكنه من سرد ردات فعل هذا الكائن أمام إلحاحا ته ورغباته وأقواله وأفعاله .

كما انه في تصويره ينتقل انتقالات سريعة تحاكي انتقالات الكاميرا بيد مخرج حذق في فن الإخراج الإغرائي ،فيعمد إلى الوصف الإبهار لما تأصل ولما طرأ على هذه الصورة ، انه يبهرك بهذا الانتقال اللوني والحركي حتى يتيقن من انك قد رأيت صورة متكاملة تامة غير منقوصة ، فلا تملك إلا أن تشهد لهذا الجمال الصارخ بعد أن تكون قطعا شهدت لهذا الواصف المبهر .



انه ينبئك عن جمال الخدود الأسيلة الناعمة ليغريك بتحفيزحواس اللمس ، ثم ينبهك إلى التناسق في العنق والخصر الهضيم قبل أن يريك بياض الجسد وسواد الشعر ، ثم لا يلبث أن ينتقل بك سريعا إلى عالم الروائح والمذاقات بنسيم الصبا وريا القرنفل ، وهذا هو الشعر الجسدي الخالص كأصدق ما يكون .



وإذا كنا قد عمدنا إلى أبيات محددة هي اقل ما ورد في معلقته حملا للصور المثيرة الحسية كما هي بلا شك اقلها خدشا للحياء العام ، فان ما قد تبقى خلفنا من صور هو اكثر إمعانا في الجسدية حتى منتهاها وربما أمكنك العودة لها للوقوف على ما نعنيه بهذا القول ، إذ أن ما تبقى من القصيدة هو احتفالية مغرقة في الجسد ولغته الوحيدة المتوقعة لهذه الاحتفالية المفرطة.

وامرؤ القيس ليس وحده بين الجاهليين في هذا المنحى ، فهنالك عدد كبير من رفاقه في ذات المدرسة الحسية لقصيدة الحب ، ولكن هؤلاء جميعا لم يؤلفوا المدرسة الحسية الوحيدة وان كانوا هم بحق غلاتها والذاهبين بها إلى أبعد الحدود الممكنة ، وفي الجانب الآخر ستجد حتما من انتمى إلى المدرسة الحسية إلا انه توسط فيها وأبى أن يذهب إلى هذا الحد بل ربما عمد إلى موازنة ذلك بما هو غير حسي وقيمي ووجداني إلى حد كبير يصلح معه أن يشار إليه بالبنان والفضل معا على انه موطد لمدرسة ستتلو لاحقا هي مدرسة الروح مقابل مدرسة الجسد ، أو بتعبير أقل إيغالا في الفلسفة كما هو مذكور بالنص الموروث ، مدرسة العذريين والشعر العذري الذي يرى للمرأة اكثر من الجسد فضلا .



ومن هؤلاء صناجة العرب الأعشى هو مثال آخر يصدح أيضا في معلقته حاملا( كاميرته) في وصف هريرة ذائعة الصيت ، تلك الهريرة التي تمكن من التقاط صور شعرها وجسدها ثم انتقالاتها الحسية ولكن بأدب وسترة وحشمة ظاهرة لا تصل حد المكبر كما كان يفعل سابقا امرؤ القيس ، وهو يتابع حركة وصفة ومستوى هذه الانتقالات الجسدية ولكن بغير تلك اللهفة الحسية المادية التي كانت لصاحبنا السابق :


غراءُ فرعـاء ُ مصقولٌ عوارضها تمشى الهوينى كما يمشى الوجى الوحلُ

تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت كما استعان بريح ٍ عشرق ٌ زجـــــلُ

يكادُ يصدعها لولا تشددهـــــــــــا إذا تقوم ُ إلى جاراتهـــــــــــا الكســـلُ

إذا تقوم يضوع المسك ُ أصورة ً والزنبقُ الوردُ من أردانهــــــا شمـــــلُ

يضاحكُ الشمس منها كوكب شرق مؤزر بعميـــــــم النبت ِ مكتهـــــــلُ





والأعشى لم يقف كما أسلفنا عند هذا الوصف الحسي الدمث والمقتصد بل أورد للمرأة وللمرة الأولى صفات معنوية جميلة وخلال وشيم وقيم نبيلة لتلك المحبوبة التي يصفها ويصف حفظها لسر جارتها ورعايتها لحقوق العشيرة والأهل ومراعاتها للسمعة وهذا فارق لا بد من ذكره والوقوف عنده في قصيدة الحب :




ليست كمن يكره الجيران طلعتهــــا ولا تراهــــــا لسرِّ الجــــار ِ تختتــــــل ُ

قالت هريرة لما جئت ُ زائرهـــــــا : ويلــــــي عليك َ وويلــــي منك ! يا رجلُ








ولعل قصيدة الحب هذه قبعت فترة ما كغير ما آلت إليه طوال العصر الإسلامي الأول وخاصة في حضرة الخلفاء الراشدين ، ولم تملك أن تقفز إلى آفاق جديدة إلا بعد ولووج عصر جديد ، ولم يتمكن شعراء كثر في عصر الإسلام الأول من تناول المرأة كموضوع قائم بذاته اللهم إلا أبيات استهلال أو توظيفا عابرا في القصيدة ذات الغرض المختلف تماما ، ونرى من هذا نماذج متعددة منها وقوف كعب بن زهير أمام يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مادحا بلاميته المشهورة :




بانت سعادُ فقلبي اليوم متبول ُ متيمٌ إثرها لــــــم يفد مكبول ُ

وما سعادُ غداة البين إذ برزت إلا أغن غضيض الطرف مكحولُ

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنـــــه منهــلٌ بالــــــراح ِ معلولُ




إلا أن فارس عصر الإسلام في قصيدة الحب والذي ولد متأخرا وبالذات ليلة قضى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه ،كان عمر بن أبي ربيعة القرشي المخزومي ، وقد نهج عمر بن أبي ربيعة فحل شعراء الغزل آنذاك منهج إمامه الأمير امرئ القيس في الناحية المادية جزئيا ولكنه لم يصل إلى ما وصل إليه الأول منهما بل أبقى بينه وبين ذلك ما للإسلام من اثر وما لسوط الخلفاء من رهبة خاصة وأنه قد ذاق فيما بعد طعم هذا السوط على يد الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبد العزيز يوم أن عن له أن يتجاوز الحد .

وابن أبي ربيعة هذا ملك ناصية قصيدة الحب الممسرحة إن جاز التعبير ، إذ انه لم يلبث أن أضاف السرد المسرحي على واقع قصيدته مما أضاف لها نكهة أخرى وجعلها تتميز حقا ، وحكاياته الكثيرة بترصد النساء واعتراضهن والتشبب بهن متعددة ومشهورة في كتب الأدب ، والمغرق في الجرأة فيها أنه كان يعمد إلى أيام الحج واجتماع النسوة فيها ليتصيد فرائسه منهن مما أغضب عليه الولاة واستوجب له سوط الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فنفاه حتى تاب عن ذلك ، وإذن فان الغزل المسرحي وقصيدة الحب الممسرحة إنما عرفت على يديه وهي مسجلة باسمه قطعا بما تحمله من مميزات وخواص ،

مثلا :


ليت هنــداً أنجزتنـــا ما تعد وشفت أنفسنــــــا مما تجدْ

زعموها سألت جاراتهــــــا وتعرت ذات َ يـوم ٍ تبتردْ

أكما ينعتني تبصرننـــــي عمركنَّ الله ! أم لا يقتصـدْ

فتضاحكن ، وقد قلن لها : حسن ٌ في كلِّ عين ٍمن تودْ


وكذلك :


غادة ٌ تفتـرُّ عن أشنبــــــها حيـن تجلـــوهُ أقـــاح ٍ وبرد ْ

ولها عينان ِ في طرفيـهمــا حورٌ منها ، وفي الجيد غيدْ

قلتُ: من أنت؟ فقالت: أنا من شفَّـهُ الوجد ُ ، وأبلاهُ الكمـدْ

نحنُ أهل الخيفِ من أهل منى ما لمقتـــول ٍ قتلنــــــاه ُ قود ْ

قلتُ: أهلاً ! أنتم ُ بغيتنــــــــا فتسمين َ ، فقالت : أنا هنــــدْ

كلما قلتُ : متى ميعــــادنــــا ضحكت هند وقالت: بعد غدْ



حكايات شيقة مكتملة العناصر المسرحية ، وقد أضاف ابن ربيعة حقا بهذا السرد وتحريك الشخوص والحوار الممتع إلى قصيدة الحب لونا جديدا لم يكن قد عرف من قبل على هذا النحو .



وكما أن المرأة الموضوع لم تغادر عند عدد من الشعراء السابقين مذبح الحس ومتطلباته المباشرة ،فان عددا منهم أبى ذلك وأقام للمرأة الموضوع المضاد تماما ، إذ نظر إليها ككائن روحاني وكقيمة وجدانية فكان محفزه لاستكشاف هذا اللغز وهذا الكائن المفاجأة هو الجانب المقابل تماما ، وقد ظهر هذا الجانب بلا شك متأخرا عن الجانب المادي وهذا منطقي بعض الشيء ، إذ أن ما يتبع الإحساس عادة ويليه هو النظر والفكر والتمعن في منطوق الفكرة ، ولذلك فان قصائد العذريين والغزل العذري إنما جاءت تالية لقصائد الغزل الحسي ، وقد ذاع صيت قصائد بني عذرة ومن نسج على منوالهم في الموروث الشعري العربي كثيرا ، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا أن الغزل وقصائد الحب إنما ذاعت وعرفت وانتشرت في آفاق واسعة بسبب صدق هؤلاء الشعراء أنفسهم في حبهم بل وتضحياتهم في سبيل هذا الحب إذ كانت تجارب حقيقية لا يشوبها الغرض ولا يعتريها الشك من ناحية ، كما أنها كانت متكاملة من حيث النهج والخصائص من ناحية أخرى لتشكل حقا مدرسة متكاملة وليست ظاهرة ما مما قيض لها أن تنهض وبجدارة لتكون منافسا لمدرسة المادة ، وها هو قيس بن الملوح وصاحبته ليلى وكذلك ابن ذريح وليلاه وعروة وصاحبته عفراء وكثير وصاحبته وغيرهم فيمن عشق عشق النفس للنفس دون شائبة جسدية فانية يصدحون جميعا في محراب الحب الطاهر بتجاربهم وملاحمهم الخالدة. ولعلنا نورد هنا أبياتا لجميل بثينة لندلل على مقدار ما كان لديهم من نزاهة وتجرد :




واني لأرضى من بثينــــة بالذي لو أبصره الواشي لقرت بلابلهْ

بلى وبــألا ّ أستطيـــع ُ وبالمنى وبالأمل المرجــوِّ قد خاب آملهْ

وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي أواخرهُ لا نلتقــــــــي وأوائلـــهْ



انه منتهى ما يذهب إليه الزاهد القانع ، مجرد نظرة واحدة فقط ينقضى الحول ولا يذهب مفعولها المذكي لجنان الشاعر الذي هو بلا شك يختزنها في كل مكان يتمكن فيه أن يختزن أثر هذه النظرة لتحرك فيه لاحقا كل محركات التوليد الإبداعي فيصلنا شعرا عذبا يحمل أثر هذه التجربة وتداعياتها معا .

أما صاحبنا قيس بن الملوح فانه يرفض أن يفقد حبه هذا حتى لو كان ذلك بسبب هو خارج عن إرادته تماما ولا يستطيع له حيلة ، بل ويتمنى لو انه ما انفك راعيا صغيرا يروح ويغدو مع ليلاه لا يكبران ولا ينتقلان إلى حال آخر ، فهو إنما يطمع في حبها صغيرة وليكن وليس في ما هو أكثر من ذلك :


تعلَّقــتُ ليلى ، وهي ذاتُ ذؤابـــة ٍ ولم يبد ُ للأتراب ِ من ثديها حجم ُ

صغيرين نرعى البهم َ يا ليت أننا إلى اليوم ِ لم نكبرْ ولم تكبر البهم ُ




ولعل نظرة الغزل أو الحب الذي لا يتجاوز كثيرا في ترجمة حاله هي قطعا توافقت مع نظرة جزء لا بأس به من أهل ذلك العصر للحب الذي يقبلونه حبا وللعشق الذي يسمونه عشقا ، حتى أن بعضهم ربما أخرج ما عدا حدوداً بعينها وتجرأ على ذلك من حضرة ومقام الحب ، ولعل هذه الحكاية التي رواها الأصمعي وجاءت في كتاب المستطرف تفي بغرض الدليل في هذا المقام ، والحكاية تقول بأن الأصمعي سأل أعرابية أثناء تجواله في البادية وقد صادفها ، " قلت لأعرابية ما تعدون العشق فيكم ؟ قالت : الضمة ، والغمزة، والقبلة . ثم أنشدته قائلة :


ما الحبُّ إلا قبلــــة وغمز كفٍ وعضد

ما الحبُّ إلا هكـذا إن نكح الحبُّ فسد



وهكذا نرى أن منتهى ترجمة العشق لم يتجاوز بأفعاله تلك الحدود على الإطلاق ، ولعل تكملة تلك الحكاية والتي أنشأت تلك الأعرابية تستفهم من الأصمعي عن رأي جماعته هو في الحب ، حتى إذا ما أفصح الأصمعي عن ما تجاوز هذا ، صاحت به قائلة :- يا هذا لست بعاشق إنما أنت طالب ولد ".



وهكذا فما يمكن أن يستخلص من واقع المرأة الموضوع الشعري ، لا يعدو كونه أحد هاتين المدرستين مع ما يمكن أن يصدق عليهما من تدرج وتدريج ، تنوع وتنويع ، وتطور وتطوير ، على امتداد فترات الموروث الشعري العربي ، ولعل ملاحظة تبقت في هذا الموضع تستحق قطعا الذكر ،وهي أن الذهاب إلى أقصى حدود المادية إنما كانت دائما رهنا بعوامل البيئة وأثرها ، كما أن التعفف والإغراق في الروحانية أيضا هي انعكاس لموروث أخلاقي أم ديني أم فلسفي معين ، وكلاهما متأثر بفترات تاريخية محددة . وهنا يمكننا بلا شك الاستدلال على ذلك بما صاحب قصائد العصر العباسي الثاني العشقية من تهتك وفسق عريض وخاصة عندما انتشرت عدد من الظواهر التي لم تكن قد عرفت منذ الجاهلية أو تلك التي طرأت على الحياة المدنية ودخلت إلى المجتمعات العربية من باب واسع جديد ، ومن تلك الظواهر مصاحبة آلات الموسيقى والعزف والقصف والشرب وحضور القيان والجواري وما خلفه ذلك جميعا على يد عدد من الشعراء المتهتكين والمغالين في الحس والمادية من أمثال أبي نواس وديك الجن والحسين الخليع وغيرهم ممن أسف إسفافا كبيرا ولم يرع حرمة أبدا في شعره وتهتكه والأمثال كثيرة أورد عددا لا بأس به منها صاحب الأغاني في مجلدات عدة ، كما أورد غيره مثل الجاحظ عددا آخر منها في كتابه المحاسن والأضداد ويمكن الرجوع إلى تلك المصادر للوقوف على هذه النصوص وطبيعتها . ولعلنا لا يمكن لنا أن نجزم بأن المدنية والترف هما فقط السببان المؤديان إلى هذا المستوى المتدني من الحسية ، فهناك الشعر الأندلسي والذي لا يمكن أن يقال عنه بأنه لم ينم في عصر مدني تام ، بل انه لربما نما في مجتمع مدني متميز أكثر حظا مما هو قد تهيأ للشعر في الشرق العربي ، ومع ذلك وجدنا شعر ابن زيدون وغيره بل وموشحات فنية جميلة تتناول المرأة من زوايا متعددة ليس فقط الحس والجسد ، ولو زعم زاعم أن سبب تهتك شعر الشرق عموما في تلك الفترة إنما هو بتأثير الجواري والقيان القادمات من مختلف أصقاع الدنيا إلى بغداد وغيرها من حواضر الخلافة ، فإننا لا شك سنورد له أيضا عددا من الأمثلة التي تدلل على أن المجتمع الأندلسي أيضا إنما كان منفتحا على الشعوب من حوله بما تحمل من ذات العوامل ، مما لا يستقيم معه أن يستحضر كسبب لما آل إليه حال شعر العشق في الشرق في تلك الفترة .



وإذا كان ذلك في العصور السابقة فان عصرنا الحالي أيضا شهد كمثل سوابقه عددا من الشعراء ممن ذهب إلى هذا الجانب أو ذاك وآخر ربما توسط في الحالين ، وإذا كان لنا أن نذكر شعر نزار قباني مثلا فهو بلا شك قد بدأ شعر المرأة حسيا مغرقا في المادية أول أمره ثم انه ما لبث أن اعتدل إلى غير ذلك في أواخر قصائده الغزلية منتحيا جانبا من الاعتدال والتأنق في فنه الغزلي الرائع الذي يمكن لنا أن نساوي أثره في عصرنا بأثر شعر أئمة شعر الحب والغزل في الموروث الشعري العربي القديم .



[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]


كُتبت [ 22-07-2007 - 01:21 AM ]    الــــــوافـي غير متصل
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2007, 04:29 AM   #2
صمتي عذاب
عضو مؤسس
 
الصورة الرمزية لـ صمتي عذاب
 
صمتي عذاب فعـالصمتي عذاب فعـالصمتي عذاب فعـالصمتي عذاب فعـالصمتي عذاب فعـالصمتي عذاب فعـال
رد : المرأة والشعر العربي

تقبل تحيااااتي

منساك لوينسى الشتارجعت الصيف
صمتي عذاب غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد



زوار هذا الموضوع الآن : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لايمكنك نشر موضوع جديد
لايمكنك نشر مشاركات
لايمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

وسوم vB : نشيط
كود [IMG] : نشيط
كود هتمل : خامل
Trackbacks are خامل
Pingbacks are خامل
Refbacks are نشيط

مواضيع ذات صلة
الموضوع الكاتب المجلس المشاركات المشاركة الأخيرة
نهائي الحلم العربي (( الفيصلي - وفاق سطيف)) : نهائي كل الأعراس يأسر القلوب و يشد الأنفاس ..!! برشلوني محترف عالم الرياضة 5 17-05-2007 02:45 PM
1-2 الجيش العربي فين - زجل فكاهي بصراحة مجلس الصوتيات والمرئيات 5 05-05-2007 01:59 PM
تساؤلات مهمة حول قيادة المرأة للسيارة..؟؟ فاعل خير المجلس العام 14 17-02-2007 01:18 PM
سبعين نووع من النساء .. راشد اليامي خارج السرب 2 01-02-2007 11:53 AM
اســـــــــــرار عــــــــن الـرجـــــــــــــال !!؟ صاحبة الصيت صيته خارج السرب 2 28-01-2007 05:16 PM


التوقيت حسب جرينتش +3. الساعة الآن 12:26 AM.

Powered by: vBulletin® Version 3.6.10 Copyright ©2000-2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.1.0
Translated By vBulletin®Club©2002-2008